عبد الرزاق اللاهيجي

134

شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام

به والا لامكن زوال الامكان عن ماهية الممكن وهو محال لما مر من أن الامكان لازم لماهية الممكن ووجب أيضا اتصافه بذلك الوجوب لما ذكرنا وهكذا حتى يتسلسل الوجوبات لئلا يلزم المحذور المذكور وتقرير الجواب ان الامكان حين نحكم على الماهية باتصافها به آلة لنا في التعقل لملاحظة حال الماهية فلا يكون ملحوظا بذاته فلا يمكن الحكم عليه حينئذ انه واجب الثبوت للماهيّة أم لا نعم إذا التقتنا إليه في نفسه نحكم عليه بأنه واجب ثبوته للماهية وهذا الوجوب أيضا حين نحكم ان الامكان واجب الثبوت للماهية غير ملحوظ بذاته لكونه آلة لملاحظة حال الامكان فلا يمكن ان يحكم عليه بأنه واجب الثبوت للامكان الا إذا نظر إلى ذلك الوجوب من حيث نفسه وهكذا فظهر ان الحكم على الماهية بالامكان من حيث إنه حكم على الماهية بالامكان لا يستلزم الحكم على الامكان بالوجوب أو عدم الوجوب ليلزم جواز زوال الامكان أو التسلسل نعم لو أمكننا ان نعتبر الوجوب ووجوب الوجوب ووجوب وجوب الوجوب وهكذا إلى غير النهاية للزم التسلسل لكن ينقطع اعتبارنا لا محالة فينقطع السلسلة وهذا الشك مع جوابه يجريان في جميع المفهومات التي يتكرر نوعها بمعنى انه إذا فرض وجود فرد منها انفرض وجود فرد آخر كاللزوم مثلا فيقال لو لزم شيء شيئا لزوم لزومه وكذا لزم لزومه وهكذا حتى يتسلسل اللزومات والا لزم جواز الانفكاك بين اللازم والملزوم ويجاب بان اللزوم مثلا له اعتباران أحدهما من حيث إنه حالة بين اللازم والملزوم وبهذا الاعتبار آلة لتعرف حالهما وليس من هذه الجهة بمحكوم عليه بشيء من الاحكام وثانيهما من حيث إنه مفهوم من المفهومات فإذا لاحظه العقل من هذه الجهة يحكم عليه بأنه يجب لزومه للّازم وهكذا حتى ينقطع الاعتبار فجميع أمثال هذه الأمور يجب كونها اعتبارية لئلا يلزم التسلسل في الخارج وينقطع بانقطاع الاعتبار واعلم أن معنى كون الشيء كاللزوم مثلا اعتباريا ليس انه باختراع العقل ليلزم انه لو لم يعتبره العقل أو فرض عدم عقل وذهن لم يكن متحققا فيتحقق الانفكاك بل معناه كون موضوع ما في نفس الامر بحيث لو اعتبره العقل لانتزع منه مفهوم المحمول فإنك قد عرفت مرارا ان انتفاء مبدأ المحمول في ظرف لا يستلزم انتفاء الحمل فيه فان قلت انتفاء مبدأ المحمول كاللزوم وان لم يستلزم انتفاء الحمل لكن بعض تلك اللزومات موضوع أيضا لبعض آخر فانتفاؤه يستلزم انتفاء الحمل ضرورة ان ثبوت شيء لشيء وان لم يستلزم ثبوت الثابت لكنه يستلزم ثبوت المثبت له قلت حكمنا بانتفاء اللزومات التي هي مبادى المحمولات ليس معناه انها منتفية بالكلية بل معناه انها ليست موجودة بصور متغايرة وان كانت موجودة بوجود ما ينتزع منه اعني الموضوع الأصل فالقدر الضروري من ثبوت المثبت له اعمّ من أن يكون ثبوتا على حدة أو بثبوت المنتزع منه إذا كان الاثبات بحسب نفس الامر لا في الخارج كما في الاعتباريّات فليتدبر وحكم الذهن على الممكن بالامكان يجب ان يعتبر مطابقته لما في العقل لان الامكان عقلي قد مر ان الحكم إذا لم يكن بالأمور الخارجية على الأمور الخارجية لم يجب في صحيحه اعتبار مطابقته لما في الخارج بل لما في نفس الامر والامكان كذلك لأنه ليس من الأمور الخارجية لما مر من كونه اعتباريّا مع كونه محمولا على المعدومات أيضا ولعل الغرض من هذا الكلام تحقيق كون اتصاف الممكن بالامكان بحسب العقل كما هو شان المعقولات الثانية لا دفع توهم من ذهب إلى كون الامكان خارجيّا متمسكا بأنه لو لم يكن كذلك لم يكن الحكم بالامكان على الممكن صحيحا بناء على توهم وجوب المطابقة لما في الخارج في صحيح الحكم مطلقا